مجد الدين ابن الأثير
362
المختار من مناقب الأخيار
الخلافة ولّاني الحسبة . قال : فأطرق رأسه إلى الأرض ساعة وقال : ما الذي حملك على ما صنعت ؟ فقلت : شفقة منّي عليك ، فبسطت يدي إلى صرف مكروه عنك . فأطرق مفكّرا من كلامي ، ثم رفع رأسه إليّ وقال : كيف تخلّص هذا الدّنّ الواحد من جملة الدّنان ؟ فقلت : في خلاصه سرّ أخبر به أمير المؤمنين إن أذن لي . فقال : أخبرني . فقلت له : يا أمير المؤمنين ! إني أقدمت على الدّنان كلّها بمطالبة الحقّ لي بذلك ، ولما عمر قلبي من شاهد الإجلال للحقّ ، وخوف المطالبة ، فغابت هيبة الخلق عني فأقدمت عليها بهذه الحال ، إلى أن صرت إلى هذا الدّنّ ، فامتلأت نفسي كبرا وفخرا ، كيف أقدمت على مثلك يا أمير المؤمنين ؟ ! فامتنعت لذلك من الدّنّ الباقي ، ولو أقدمت بالخاطر الأول حتى يكون ملء الدنيا لكسرتها ولم أبال . فقال المعتضد : اذهب فقد أطلقنا يدك ، فغيّر ما أحببت أن تغيّره من المنكر . فقلت : يا أمير المؤمنين ! بعض التغيير . قال : ولم ؟ قلت : لأني كنت عن اللّه تعالى ، وأنا الآن أغيّر عن شرطيّ . قال لي : ما حاجتك ؟ قلت : حاجتي أن تأذن لي بالخروج . فأذن له . فانحدر إلى البصرة خوفا أن يسأل الشفاعة إليه في حاجة ، فأقام بها إلى أن مات المعتضد . ثم عاد إلى بغداد « 1 » . وقال أبو أحمد : جئت يوما إلى أبي الحسين النّوري وقد جعت أربعة أيام ، فما أكلت فيها شيئا ، فلما رآني قال لي : ولد مشئوم ، يجوع أحدكم أربعة أيام ينادي الجوع عليه . ثم أدخل رأسه في جيبه وأعطاني جبّة كانت عليه سابوري « 2 » وقال : خذ الظّهارة وأعطني البطانة والقطن وبع الظّهارة ،
--> - والنهي عن المنكر على قاعدة الحسبة ، وهي من وظائف الدولة الإسلامية ؛ ولا يحال بينه وبين مصلحة أرادها . وربما أضيفت هذه الوظيفة إلى صاحب الشرطة أحيانا . انظر صبح الأعشى 3 / 487 ومعجم متن اللغة ( حسب ) . ( 1 ) أورد هذه الحكاية الذهبي مختصرة في سير أعلام النبلاء 14 / 76 . ( 2 ) كذا في ( أ ، ل ) ، والسابري : ثوب رقيق جيد ، منسوب إلى سابور ، وكل ثوب رقيق فهو سابري . التاج ( سبر ) .